ابراهيم بن عمر البقاعي
307
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اللّه بزعمهم مع علمهم بأنك صادق فيه ، فهم بسبب إرادتهم ذلك هكذا كان الأصل ، ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : فَالَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا الأدلة تارة عنادا وتارة بالإعراض عن تأملها هُمُ أي خاصة الْمَكِيدُونَ * أي يختص وبال الكيد بلزومه لهم وقطعه لدابرهم لأن من كان الإله عليه كان خاسرا ، وأقرب مآلهم من الكيد الظاهر في بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من « أم » وهي خمسة عشر مرة لأن بدرا كانت في الثانية من الهجرة ، وهي الخامسة عشرة من النبوة ، فقد سبب اللّه فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة ، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية ، والرد عن الضلالة والغواية . ولما كان التقدير : أكذلك الأمر عادله بقوله : أَمْ لَهُمْ إِلهٌ يمنعهم من التصديق بكتابنا ، أو يستندون إليه للأمان من عذابنا غَيْرُ اللَّهِ الذي أحاط بجميع صفات الكمال ، فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقادير أن يكون معه إله ، ولذلك وصل به قوله : سُبْحانَ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي تعالى أن يداني جنابه شائبة نقص عَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام وغيرها ، وأخر سبحانه هذا القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على تقدير التصديق للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى ، فأوقعهم في الردى ، ليحتم بنفسه والتنزيه عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام . والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره ، ولما كان التكذيب - وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما في الإرسال ، وإما في المعاني ، وما وقع به الإرسال إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل ، والذي في الرسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه ، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته ، ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه ، وهو الكهانة بدأ بها ، وأتبعه الداخل لذلك بادئا بما قد يمدح به وهو الشعر . ولما كان القول بجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقض لا يخفى ، أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم . ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى ، أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة . ولما قسم ما رموا به الرسول ، أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل ، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا ، وكان التعطيل أشد ، بدأ به وهو الخلق من غير شيء ، ولما كان النقص مع الإقرار بالوجود إما أن يكون بالشركة أولا ، وكان ما بالشركة إما أن يكون المكذب هو المشارك أولا ، وكانت شركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها ، ولما كانت شركة المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا ، وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو الغير ، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق ،